الغزالي
515
إحياء علوم الدين
وأما أحوال الأنبياء عليهم السلام : فإذا سمع منها أنهم كيف كذبوا وضربوا وقتل بعضهم فليفهم منه صفة الاستغناء لله عز وجل من الرسل والمرسل إليهم ، وأنه لو أهلك جميعهم لم يؤثر في ملكه شيئا ، وإذا سمع نصرتهم في آخر الأمر فليفهم قدرة الله عز وجل وإرادته لنصرة الحق وأما أحوال المكذبين : كعاد وثمود وما جرى عليهم ، فليكن فهمه منه استشعار الخوف من سطوته ونقمته ، وليكن حظه منه الاعتبار في نفسه وأنه إن غفل وأساء الأدب واغتر بما أمهل فربما تدركه النقمة وتنفذ فيه القضية ، وكذلك إذا سمع وصف الجنة والنار وسائر ما في القرءان ، فلا يمكن استقصاء ما يفهم منها لأن ذلك لا نهاية له ، وإنما لكل عبد منه بقدر رزقه ، فلا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين . * ( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِه مَدَداً « 1 » ) * ولذلك قال علىّ رضي الله عنه لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب . فالغرض مما ذكرناه التنبيه على طريق التفهيم لينفتح بابه ، فأما الاستقصاء فلا مطمع فيه ، ومن لم يكن له فهم ما في القرءان ولو في أدنى الدرجات دخل في قوله تعالى : * ( ومِنْهُمْ من يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا من عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ الله عَلى قُلُوبِهِمْ « 2 » ) * والطابع هي الموانع التي سنذكرها في موانع الفهم ، وقد قيل : لا يكون المريد مريدا حتى يجد في القرءان كل ما يريد ، ويعرف منه النقصان من المزيد ، ويستغنى بالمولى عن العبيد السادس : التخلي عن موانع الفهم ، فان أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرءان لأسباب وحجب أسدلها الشيطان على قلوبهم فعميت عليهم عجائب أسرار القرءان قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « لولا أنّ الشّياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت » معاني القرءان من جملة الملكوت ، وكل ما غاب عن الحواس ولم يدرك إلا بنور البصير فهو من الملكوت وحجب الفهم أربعة . أوّلها : أن يكون الهم منصرفا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها ، وهذا يتولى حفظه شيطان وكلّ بالقرّاء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله عز وجل ، فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف يخيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه ، فهذا يكون تأمله مقصودا على مخارج الحروف
--> « 1 » الكهف : 109 « 2 » محمد : 16